رسائل يحيى حقّي
رجل فعل ما أمكنه أن يفعله ولم يندم على شيء
ضعتُ قبل فترة ،كنت حينها هائمة على وجهي ، وبدت البسيطة برحابتها حجرة ضيّقة جدًا لا تتسع لوحدتي ولا لآمالي وسيطرت عليّ أفكاري فإذا بي أجد نفسي أزور بيداء الظنون المقفرة مرة أخرى ،وصوت بداخلي يسألني إن كنت قد غادرتُ هذه البيداء يومًا .
حلمت بيدٍ تنتزعني من شكوكي وتقودني لروضة اليقين البهيّة ، حلمتُ بلذّة الصداقة والحُب والعائلة.
وأقتبس من مولانا محمود شاكر :
“ أريدُ أن أجدَ مَلجئي المؤمنَ حين تُطارِدُني من الظنِّ صعاليكُه الكافرة.
أُريدُ أن أعرفَ لذَّةَ الصداقةِ والحُبِّ حين لا أجدُ من الحياةِ إلاَّ آلامَ صداقتي وحبِّي... أُريدُ... أُريدُ!
أُريدُ مَن أقولُ له: ها أنذا بعذابي وضَعفي وخُضوعي؛ فيقولُ: وها أنذا بصَبري وقُوَّتي وحُبِّي لك.
أُريدُ مَن أقولُ له: هذه جروحي التي تَنفُثُ الدم، لا ترقأُ ولا تستريحُ ولا تبرأُ إلا على وعيٍ من دمِها؛ فيقولُ لي: وهذا طِبِّى الذي يحسمُ هذا الدمَ لتستريحَ وتبرأَ من ألم النزيف، يا بُنيَّ...! “
(نجوى الرافعي ، جمهرة المقالات)
أذكر أنني قرأت هذا النص مرّات عديدة ،وفي كل مرّة أشعر بصدى المعنى المدوي، كيف يجد الإنسان مكنون صدره ومنتهى أمانيه مشروحًا بهذه الدقة؟ عجبًا للقدرة التي تسيّس اللغة كيف تشاء فتجعلها خير باب لمكنونات النفس!
في طريق عودتي من الدكّان أدركت مدى الوحدة التي أعيشها، وإذ هي - كما سمعت - حالة منتشرة بين أبناء جيلي ، هذا الجيل الهش بوصف الأجيال السابقة ، حتى القمر الذي عودّني أنسه بات محاقًا ليلتها ، وطبعًا لم تكن أول مرّة أخوض فيها في هذه البيداء المقفرة الموحشة ، لكنها - ككل المرّات - تبدو هذه المرّة أشد وحشة .
وأتساءل دومًا كيف لهذه الأفكار - رغم عدم وجودها المادّي- أن تبني هذا الصرح العظيم حولي؟ كيف لها أن تحوّل هذه الألوان البهيّة لأخرى باهتة منزوعة الحياة؟
كيف لهذه الأفكار أن تجعلني أقدّس الأزرق يومًا وأستثقله أيامًا عدّة؟
أقول لنفسي هذه الحياة وهذا حالها ، يا هيام من سرّه زمنٌ ساءتهُ أزمانٌ!
ويقول المتنبي :
لا تلق دهرك إلّا غير مكترثٍ ما دام يصحب فيه روحك البدنُ
فما يدوم سرور ما سررت به ولا يردّ عليك الفائت الحزن
وأسخر سرًّا من أبي الطيب إذ أنّك يا عزيزي - برغم عدم اكتراثك - نظمت قصيدة- بل قصائد-تثبت عكس نصيحتك ، تبدي فيها سريرة نفسك وتؤانس وحدتك بنظمك للقصائد!
بم التعلل لا أهلٌ ولا وطنٌ ولا نديم ولا كأسٌ ولا سكن
وأزيدُ أنا بم التعلل لا أهل ولا وطنه ولا نديم ولا نظمٌ ولا سكن !
وأغبط الشعراء والكُتّاب والرسّامين وكل من لديه القدرة على تأطير ألمه ، فماذا لي أنا؟ اللغة الركيكة التي لا أنظم بها شعرًا ولا أكتب بها نثرًا؟
ولغتي - رغم ضعف النحو والصرف عندي- ملجئي ، ولكم وددت أن أصنع لنفسي عزيمة تخرجني من هذا الصرح الذي يحاوطني.
أنقذتني في ذلك اليوم رسائل يحيى حقّي لإبنته نُهى ، ويحيى حقّي هذا رافقني لعدّة أيام قبل شهور بسيطة ، إذ اشتريت كتابًا يحوي عددًا من قصصه القصيرة ، على رأسهم قصته الأكثر شهرة ( قنديل أم هاشم ) ، أذكر أنّني انبهرت حين تصفحت عدّة صفحات عشوائية من الكتاب ريثما يأتي الباص ، ووقعت عيني - لحسن حظّي- على السيرة الذاتيّة التي كتبها يحيى حقّي عن نفسه .
يقول في أول أسطر:
“ مطلوبٌ منّي أن أكتب هنا سيرتي الذاتية ؛
التحدث عن النفس !
يا له من لذة ساحِرة ، تواضعها زائف ، ياله من مللٍ فظيع يُستحبُ معه الانتحار.
أغلب أحاديثنا - بعد كلمتين ليس غير -تتحول من الموضوع -أيّا كان - إلى الذات ؛ الشكوى أو الإفتخار ، ولكني أحس أنهما ينبعان من نزعة واحدة متكتمة : استجداء تبرير الوجود .”
ويقول لاحقًا :
“لا ولوج إلى ساحة السعادة - في اعتقادي- إلّا من أحد أبوابٍ ثلاثة : الإيمان والفن والحب ، لا شيء يشع بها مثل هذا الخشوع الذي أراه في المعابد . وإذ كان الحب هو أكثرها التصاقًا بالصلصال والحمأ المسنون، وبالزمان والمكان والصدف، فإنه شرط ارتفاع الإنسان عن مرتبة الحيوان ، وكان الإيمان أكثرها طموحًا لأنه يطلب الله لا الناس ، الخلود في الآخرة لا العبور في الدنيا، فسييقى الفن وسطًا جامعًا للطرفين ، يا لها من منزلة ! “
ولامستني كلماته ، وسرعان ما أدركت أنني بصدد رجل عظيم وفنان ، وإنسان ، وسيرته تمتد لست وخمسين صفحة في الكتاب ويمتد أثره لأكثر من ذلك بكثير !
اللهم أنني وفي ذلك اليوم الذي ضقتُ فيه ذرعًا بتلك البيداء وقعت على رسائله لابنته نُهى ، وهذه الرسائل تم تحريرها بعد وفاته ، إذ قدّم الكتاب الكاتب الكبير نجيب محفوظ ( وهو شيء أشك فيه) ، وشاركت نُهى حقّي وإبراهيم عبد العزيز في كتابة الكتاب.
في تلك الليلة آنستني سيرة يحيى حقّي بعيني ابراهيم عبد العزيز ونُهى ، دلتّني لأبواب سريّة في الصرح الذي بنته أفكاري حولي ، وبكيت كثيرًا يومها ، بكيت لصدق المشاعر الإنسانية ، هل كان يحيى حقّي مدركًا أن رسائله البسيطة التي يبعث بها لإبنته ستبعث البهجة في قلب فتاة شابة بعد أكثر من ستين عامًا؟
هل كان يعلم أن النصائح الصغيرة التي يزلقها خلسة لابنته ستنير عالم فتاة في زمن بعيد؟
لا أدري لكنني ممتنة له ، وللغته البسيطة ولإنسانيته التي جعلت قصصه قريبة للقلب بلغتها العذبة!
وأنا هنا لا أقدّم تلخيصًا للكتاب ، ولا رأيي حوله ، بل المشاعر التي احتضنتني والقبلات الكثيرة التي كان يبعث بها حقّي لابنته “ نهاكي استفراكي” كما يدلعها باليونانية ، وللأمانة الكتاب لا يعكس فكرة الرسائل الأدبية ، ويعترف هو بذلك في ختام أحد رسائله إذ يقول :”……وكنت كل مرة أخاف لما تشوف الهلال على وشي أحسن تطلع حاجة وحشة تقول ده وش يحيى وساعات كانت تفتح عينها على قطعة نقود فضية .. كفاية دردشة والسلام عليكم”
إذ هي مجرد دردشة بينه وبين إبنته ، تخلّى فيها عن تكلفه وحكى ما يجول بخاطره بلغته المصريّة القحّة ، وما همّني كانت العاطفة الناضحة بالحنان والود والحب إلى وحيدته ، نهى .
والقاريء المحب ليحيى حقّي سيرى جوانب الأب يحيى في رسائله، ويلاحظ سيكولوجيته كإنسان.
بعد مقدمة نجيب التي يدعو فيها لجمع مؤلفاته الكاملة مستنكرًا الطرق التقليدية لتخليد ذكرى الإنسان ، وأقتبس منه
(“فقد كان صديقًا لا يعوض، نزيه الفكر ، صافي القلب،بسيطًا ممتعًا في كتاباته وأحاديثه، صاحب روحٍ ساخرة ونكتة بارعة ، وفكر مستنير، ولذلك يجب الإحتفال به بطريقة غير تقليدية ، وأنا لي طريقة خاصة في الإحتفال بذكرى الراحلين، بعكس ما يتردد عن تمثال يقام، وإسم يطلق على معهد أو شارع ، ومثل هذه النوعية من التكريم ليس لس اعتراض عليها ولكنها مع احترامي لا تمثل إحياء للذكرى ، لأنك عندما تطلق اسم يحيى حقّي على شارع سيصبح يحيى حقّي بعد جيل أو جيلين ، شارعًا ، مثلما نقول شارع “نوبار” ولا أحد يعرف من هو “نوبار؟” ولكن ما أطالب به للأستاذ يحيى حقي هو جمع مؤلفاته الكاملة …فتجمع أعماله كلها في مكان واحد خوفًا عليها من التشتت والضياع بحيث تكون موجودة في المكتبات العامة والخاصة وهذا خير إحتفال نحيي به ذكرى صاحب القنديل الذي سيظل يضيء حياتنا كمشعل استنارة دائم “)
يأتي ابراهيم عبدالعزيز محملًا بمواقف كثيرة من حياة حقّي الأديب والإنسان فيغوص في تفاصيل كثيرة جعلتني أعود كل مرّة إلى عنوان الكتاب أتسائل عن مكان الرسائل!!
ولكنّها مواقف إنسانية جديرة بالتأمّل ، وحين وصلت لنصفها تمنيت ألا تنتهي هذه الحكايات حيث فتحت لي أبوابًا للتأمل في الحياة .
يذكر ابراهيم عبد العزيز لمحات من شخص يحيى حقّي ، قصير القامة وشامخ الأدب والفكر والإنسانية ، يحكي عنه فيما يحكي أنّه -أي ابراهيم- كان قد أصيب بنزلة برد أنهكته ومنعته من الإتصال بحقّي لمدة إسبوع ، فقلِق حقّي عليه واتصل بنفسه بالمجلة التي يعمل بها إبراهيم وطلب من أحد الزملاء أن يقول لإبراهيم أن يتصل به ، يقول ابراهيم: “ ولعلّه عرف من خلال دردشتي معه أنني من المجلة للبيت ومن البيت للمجلة فأصابه القلق والخوف على ما ظنّه عزلة فأوصى احد الأصدقاء أن يصحبني معه في تنقلاته وتحركاته وألا يفارقني ، خشية عليّ من هذه العزلة ، وأفضى إلي هذا الصديق بمخاوفه من أن تؤدي ( ما ظنّه ) عزلة إلى الكآبة!”
تخيّل خوف الإنسان على غيره من عواقب العزلة!
طبعًا لفتتني العلاقة بين العزلة والكآبة هنا، إذ أنّ الإنسان -ودون أن يدرك - يسلّم نفسه لأوهامه وأفكاره فتقيده في سجن منيع لا ترافقه فيه إلّا الكآبة وهي طبعًا بئس الرفيق.
يذكر بعدها سؤاله ليحيى عن كتابة القصص ، يقول يحيى:
وهذه نصيحة قيّمة !
كانت حكمة الأديب الكبير في الحياة أن يقوم الإنسان بواجبه ، يقول
“ قم بواجبك والحياة جهاد ويجب أن تكون لديك إرادة لما تريد أن تفعله ، وقم بواجبك مهما كانت الظروف”
وهذه حكمة بالغة الأهمية رغم بداهتها للوهلة الأولى ، أن تكرّس نفسك لواجباتك رغم تقلبات الحياة، رغم الجهاد المستمر والراحة المعدومة دنيويًا .
يقول إبراهيم :” عندما سألناه عن العنوان الذي يجب أن يضعه على ملف حياته كان جواب الأديب يحيى حقّي :”فعل ما أمكنه أن يفعله ولم يندم على شيء”
ولا أخفي إنبهاري باختياره لهذا العنوان فهذه جراءة كبيرة ، لا بل رضا عميق!
كيف يدرك الإنسان أنّه فعل ما أمكنه أن يفعله؟ كيف لا يندم على شيء؟!! وشعرت بالجواب يلفتني إليه في خجل ، حيث تركته ورائي غير مكترثة به والسر كل السر فيه!
لا عجب أن يختار حقي هذا العنوان الواثق لحياته وهو المؤمن بقوة الإرادة والداعي لها ، هو الذي كانت حكمة حياته أن يقوم الإنسان بواجبه ؛ فالعالم في نظره معركة كبيرة والسلاح الأول الذي يستخدمه الإنسان في خوضها هو الإرادة.
كيف يندم من بذل جهدًا؟ كيف يندم من لم يتخيل مستقبله بل صنعه؟ كيف يندم من آمن بربِِ يقول “ وأنّ ليس للإنسان إلّا ما سعى “ !
والسعي فيه مكاسب كثيرة ، الوصول أقلّها قيمة ، والرضا أغلاها وأثمنها!
ومن نال الرضا فماذا يريد؟
وأستحضر هنا بيتًا للمتنبي - والذي تؤرقني أبياته -
يقول أبو الطيّب :
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا
كنقصِ القادرين على التمام !!
ولا يستحضر عقلي هذا البيت إلّا أمام السؤال الذي لا يسعفني هو -أي عقلي-لحلّه في الإمتحان ، أنا التي كان عندي أيّام عديدة لحلّ ألف سؤال كهذا السؤال الذي سينزل درجتي -بتعريف الرأسمالية- لقاع شديد السواد أبحث فيه متسولة عن وظيفة !.
وهذا الشعور المر الحارق يبعث بداخلي كرهًا لذاتي قبل واقعي ويحيل بيني وبين الرضا ، ذلك الصديق الذي يذيقني النوم الهانيء والروح البهيّة ، الرضا الذي يجعلني أنطق بكلّ ثقة “ فعلت ما يجب علي فعله !”
ولخيبتي لم أنطق هذه الجملة لسنين طويلة أرغمت فيها نفسي على ابتلاع امكانياتي ونهشها ، وهذا عائد في المقام الأول لضغط كبير من التكنولوجيا !
اللهم أنني وأمام هذا العنوان وقفت باستحياء أمام الأستاذ يحيى ، تخيلتني ذرة غبار يحركّها الهواء كيف يشاء ، وتخيلت الأستاذ يحيى بقامة طويلة جدًا وأكتاف عريضة ومنهج ثابت !
هنا سأدرج بعضًا من رسائله ، لكن قبل ذلك وجدت أنّه من اللازم أن أذكر وفاة زوجته الأولى نبيلة - أم وحيدته نهى -، وسعادتهما لم تد طويلًا ؛ إذ أنّها بعد ثلاثة أشهر أصيبت بمرض عضال سحب النور من عينيها
يقول عنها :” تركت في نفسي حسرة لا تنقضي”
وخرجنا من حيرة الموت إلى حيرة أشدّ قسوة ، حيرة الحياة!
ذكرت هذه الرسالة للإشارة لمحمود شاكر ، إذ كتب محمود شاكر مقالًا بعنوان ( يحيى حقّي صديق الحياة الذي افتقدته )
الرابط مدرج هنا : ص944 - كتاب جمهرة مقالات محمود شاكر - يحيى حقي صديق الحياة الذي افتقدته - المكتبة الشاملة
وذكره يحيى حقّي كثيرًا في رسائله.
دعاء عيد الميلاد
إلى اللقاء في نشرة قادمة !




















